محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1054
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
على جهة الترتّب والتفاضل : وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وكلّهم مترتّبون في الفضل على كلمات متفاضلة يدعون الناس عن التضادّ والاختلاف إلى الاتّحاد والاتّفاق ، وهذه كلمتهم كلمة واحدة : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ فلا فرق بينهم ؛ فلا نفرّق بين أحد منهم ، ولا نفرّق بين اللّه ورسله . وسرّ آخر : قولهم : سَمِعْنا وَأَطَعْنا يشبه تقليدا ، والتقليد قبيح على مذهب ، وكفر على مذهب . لكن التقليد قبول قول الغير من غير بصيرة ، والبصيرة هاهنا موجودة في ذاته وقوله : بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ . وأمّا رؤية البيّنة في ذاته وجوهره وخصاله فتتخصّص بأعين الخواصّ من محبّيه ، كما قالت خديجة - عليها السلام - في مبدأ الوحي حين كان يقول - صلّى اللّه عليه وآله - : « إنّ الآخر لشاعر أو مجنون ، ولعلّ الذي يعتريني جنّيّ أو شيطان » ؛ فكانت - عليها السلام - تقول : إنّك تصدق الحديث وتصل الرحم وتقري الضيف ؛ والآيات التي ظهرت في ولادته ( 432 آ ) وحضانته وطفولته إلى مبلغ أشدّه ونزول الوحي عليه ممّا تبيّنها الخاصّ والعامّ . وأمّا البصيرة في قوله وتحدّيه بالنبوّة أنّه لا منازع له في دعواه ، ولا يمكن في العقل أن يدّعي النبوّة على شرطها وحقيقتها غير النبيّ كما بيّنا في مواضع ، والذي يتعلّق بالآية التي نحن في تفسيرها أنه دعا الناس إلى السمع والطاعة وهو أخصّ بيّنات الأنبياء - عليهم السلام - ، وغيرهم بدعوتهم إلى العقل لا إلى السمع ، وإلى الاستبداد لا إلى الطاعة ، وذا قد تمّ في بني آدم أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فبذلك كفروا وتولّوا ؛ فأخصّ علامات صحّة الإيمان قولهم : سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . وسرّ آخر : التكليف من اللّه تعالى على العبد على وجهين : تكليف بالمعرفة وتكليف بالطاعة ، وكلاهما في وسع النفوس والعقول . المعرفة للعقل والطاعة للنفس ، والمعرفة للعقل فطرة إلّا أن يحتاله الشيطان أو يغويه الأبوان ؛ والطاعة للنفس اكتساب إلّا أنّ تصرّفها القوّة الشهوية إلى الإباحة والقوّة الغضبية إلى الاستكبار ؛ فذلك قوله : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ولمّا كان الاكتساب من باب الافتعال وأكثره فعل على خلاف الفطرة جعله أولى